حين نتحدَّث عن الملائكة، فإنَّنا نذكر صفتين أساسيَّتين. الصفة الأولى: المعاينة الدائمة لوجه الربّ، أي أنَّهم يعيشون في عشقٍ أبديٍّ للَّه (متَّى 18: 10). هذه دعوة لنا نحن أيضًا، أن نعشق الربَّ وكلمته الحيَّة، لأنَّ الربَّ في الأصل أحبَّنا أوَّلًا، وتجسَّد وصار إنسانًا مثلنا، وطبعًا بقي إلهًا، وصُلِب طوعًا من أجلنا ليفدينا، ومنحنا بقيامته المجيدة الغلبة على الموت.

إيماننا هو إيمان العشق، عشق ما بعده عشق، ومَن عشق لا يغفل لحظة ألَّا يلهج قلبه بالربّ يسوع المسيح الإله المخلِّص، لأنَّ قلب العاشق يخفق متيَّمًا بمعشوقه. ومن يعشق الربّ، يشرق وجهه بنور سماويّ، لأنَّه يعاين النور الإلهيَّ.

الصفة الثانية هي الاستعداد الدائم لخدمة كلمة الربِّ. ولهذا نرى الملائكة في الأيقونات لديهم أجنحة وشعرهم مشدود ومربوط، إشارةً إلى أنَّهم دائمًا في حالة تأهُّبٍ واستعداد تامّ ل​خدمة الله​، كما يقول المزمور: «الصانع ملائكتَهُ رياحًا، وخُدَّامَهُ نارًا ملتهبة» (مزمور 104: 4).

هذه الصفة هي أيضًا دعوة لنا لكي نبقى دائمًا مستعدِّين في علاقتنا مع الربِّ في صلواتنا الفرديَّة والجماعيَّة، وفي عيشنا لكلمة الله المحيية، ومراجعة ذواتنا وكلِّ تصرُّفاتنا وأعمالنا وطريقة تفكيرنا وحياتنا على ضوء الإنجيل المقدَّس، لكي نحيا في توبة صادقة ومستمرَّة. ولا يتعجَّبَنَّ أحد من قول القدِّيس اسحق السريانيِّ إنَّ القدِّيس هو التائب دائمًا، والَّذي يعترف بخطاياه هو أعظم من الَّذي يقيم الموتى.

يذكر الكتاب المقدَّس أحداثًا يوجد فيها ملائكة، وكان لهم دور كبير وأساسيّ في ​تاريخ الخلاص​ الإلهيّ للبشريَّة. فهم كانوا مرسلين من الربّ القدُّوس، لذا كان حضورهم في الأحداث الَّتي ظهروا فيها حضورًا إلهيًّا. فنقرأ مثلًا أنَّ ملاكًا ظهر لزكريَّا الشيخ والد القدِّيس يوحنَّا المعمدان وبشَّره بحبل زوجته حنَّة (لوقا 1: 13)، والملاك جبرائيل بشَّر مريم العذراء بولادتها للمخلِّص من الروح القدس (لوقا 1: 28). كذلك ظهر جمهور من الجند السماويِّين مع الملاك الَّذي بشَّر الرعاة بميلاد يسوع المسيح وكانوا يسبِّحون الربَّ (لو 2: 13). والملائكة كانت حاضرة في القيامة وبشَّرت حاملات الطيب. وفي العهد القديم رأى يعقوب حلمًا وسُلَّمًا منصوبة على الأرض ورأسها يمسُّ السماء، وملائكة الله صاعدة ونازلة عليها (تكوين 18: 12). كذلك رأى إشعياء النبيُّ الربَّ جالسًا على كرسيِّه في مجده، والسيرافيم واقفون فوقه (إشعياء 6: 2).

بالمقابل يذكر الكتاب المقدَّس ملائكة سقطوا وأصبحوا يعملون لسقوط الإنسان. يخبرنا بطرس الرسول أنَّ الربَّ لم يشفق على ملائكة قد أخطأوا، وطرحهم في جهنَّم في سلاسل الظلام (2 بطرس 2: 4). الأمر نفسه يخبره يهوذا أخو يعقوب (غير يهوذا الإسخريوطيِّ) (يهوذا 6).

وقد ذكرهم بولس الرسول بوضوح في جهادنا، ويدعونا لنلبس سلاح الله الكامل لكي نقدر أن نثبت ضدَّ مكايد إبليس، لأنَّ «مصارعتنا ليست مع دم ولحم، بل مع الرؤساء، مع السلاطين، مع وُلاة العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشرّ الروحيَّة في السماويَّات» (أفسس 6: 11-12). وهذا تمامًا ما علَّمنا إيَّاه الربُّ في صلاة الأبانا أن نقول: «نجِّنا من الشرِّير» وليس من الشرِّ كما تأتي بعض الترجمات الأجنبيَّة الخاطئة فتقول du mal أمَّا الصحيح فهو du malin، وأيضًا from evil والصحيح from the evil one، لأنَّ الشرِّير شخص وليس صفة كما تأتي الكلمة في اليونانيَّة بوضوح "من الشرِّير τοῦ πονηροῦ - tou ponērou " (متَّى 6: 13).

الشيطان هو في الأساس ملاك وتكبَّرَ وسقط، وسقط معه ملائكة كثيرون، وهو لا ينفكُّ يحاول إسقاط كلِّ إنسان ويجعله عبدًا له وأسيرًا مسجونًا في أهواء ظلاميَّة قاتلة.

في الخلاصة ينبِّهنا بطرس الرسول بقوله: «اُصْحُوا واسهروا. لأنَّ إبليس خصمَكم كأسد زائر، يجول ملتمسًا مَنْ يبتلعه هو» (1 بطرس 5: 8). وإن سقطنا نتيجة تراخينا يبقى باب التوبة مفتوحًا، لهذا قال لنا الربُّ: «أقول لكم: إنَّه هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين بارًّا لا يحتاجون إلى توبة» (لوقا 15: 7).

في الثامن من شهر تشرين الثاني تقيم الكنيسة عيدًا جامعًا لرؤساء الملائكة والملائكة. وتعود أصول هذا العيد إلى القرن الميلاديِّ الرابع. فبشفاعتهم يا ربُّ ارحمنا وخلِّصنا.

ملاحظة: صحيح أنَّ الكتاب المقدَّس لا يذكر عبارة «رؤساء الملائكة»، إلَّا أنَّنا نقرأ في سفر دانيال أنَّ ميخائيل هو واحد من الرؤساء الأوَّلين «وهوذا ميخائيل واحد من الرؤساء الأوَّلين جاء لإعانتي» (دانيال 10: 13).

إلى الربِّ نطلب.